الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
273
نفحات القرآن
إنّ التقليد هو غض الطرف عن التخصص الذي يمتلكه الإنسان واتباع شخص آخر اتباعاً بدون قيد أو شرط ، فالمسلّم أنّ التقليد من قبل شخصٍ قادرٍ على التحقيق والاجتهاد أمر مذموم وغير صحيح ، ولهذا لم يُجِزْ الفقه الإسلامي للمجتهدأن يكون مُقلِّداً . ويتضح مما قلنا فلسفة تقليد المجتهدين في المسائل الفقهية من قبل غير المجتهدين ، ومثل هذا دارج في جميع الفروع العلمية ، وبما أنّ الفقه الإسلامي واسع إلى درجة حيث لا يمكن للناس جميعاً أن يجتهدوا ، فجميع أبوابه والتحقيق فيها تعيّن على فريق منهم الاجتهاد بالفقه ، وعلى الناس اتباعهم ، إلّاأنّ الأمر يختلف عنه في أصول الدين ، فيتعين التحقيق والاجتهاد فيها على كل مسلم ، وذلك لإمكانية ذلك ، فلا يجوز التقليد فيها . جج 2 - شروط التقليد الممدوح عادة ما يقال في تعريف « التقليد » أنّه عبارة عن قبول كلام الآخرين بلا دليل ، وتارة يوسعون المفهوم ويعتبرون الاتباع العملي تقليداً من دون الالتزام بحديث أو كلام للآخرين ، وتارة يعدون التأثيرات اللا إرادية ( التي تتركها أعمال وسلوك وصفات الآخرين عند الإنسان ) قسماً من التقليد . بالطبع أنّ القسم الأخير من التقليد ( الذي يتحقق بشكل غير إرادي ) خارج عن موضع بحثنا ، أمّا القسم الثاني والثالث ، فيمكن أن يكونا ممدوحين إذا ما توفر شرطان في « المقلَّد » - أو مرجع التقليد - وهما : الخبرة والصدق ، أي كونه من أهل العلم أولًا ، وينقل ما يوحي إليه علمه بصدقٍ ثانياً ، وإذا ما انتفى هذان الشرطان دخل التقليد القسم المذموم . ومن جهة أخرى ، ينبغي أن يكون موضوع التقليد من مواضيع الاختصاصات كي يباح التقليد فيه ، أمّا إذا كان من المسائل العامة التي يمكن للناس كافة الخوض والتحقيق فيها ( مثل أصول الاعتقادات وبعض المسائل الأخلاقية والاجتماعية غير ذات الجانب